سيد محمد طنطاوي
322
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ليرون أهل عليين ، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء » « 1 » . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن اللَّه - تعالى - في إهلاك الأمم ، وأنه - تعالى - ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره ، وعصت رسله ، كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة اللَّه - تعالى - ، وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل ، وأن الفريقين لا ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره اللَّه - تعالى - لهم ، وأن عطاءه للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا ، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت تفضيل بعض الناس على بعض في الدنيا والآخرة ، وصدق - عز وجل - حيث يقول : * ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) * . قال الإمام الرازي ما ملخصه : بعد أن بين - سبحانه - أن الناس فريقان : فريق يريد بعمله الدنيا فقط ، وفريق يريد بعمله طاعة اللَّه ، ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة ، وثانيها : أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ، وثالثها : أن يكون مؤمنا . لا جرم فصل في هذه الآيات تلك المجملات : فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان . . . ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال . . . « 2 » . والخطاب في قوله - تعالى - : * ( لا تَجْعَلْ . . . ) * لكل من يصلح له . والقعود في قوله « فتقعد » قيل بمعنى المكث : كما يقول القائل : فلان قاعد في أسوأ حال ، أي : ماكث في أسوأ حال ، سواء أكان قاعدا أم غير قاعد . وقيل بمعنى العجز ، لأن العرب تقول : فلان ما أقعده عن المكارم ، أي : ما أعجزه عنها ، وقيل هو بمعنى الصيرورة ، من قولهم : فلان شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، أي : صارت . والذي تطمئن إليه النفس أن القعود على حقيقته ، لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا نادما على ما فرط منه . وقوله - سبحانه - : * ( مَخْذُولًا ) * من الخذلان ، وهو ترك النصرة عند الحاجة إليها . يقال : خذل فلان صديقه ، أي : امتنع عن نصره وعونه مع حاجته الشديدة إليهما . والمعنى : لا تجعل - أيها المخاطب - مع اللَّه - تعالى - إلها آخر في عبادتك أو خضوعك ، فتقعد جامعا على نفسك مصيبتين :
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 60 - طبعة دار الشعب بالقاهرة . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 182 .